Institut National du Patrimoine المعهد الوطني للتراث

Patrimoine Culturel - تراث ثقافي - Cultural Heritage

دقّة

Dougga

التقديــم

يمتدّ تاريخ دقّة على أكثر من 25 قرنا، وتعتبر أثارها من بين أكثر المواقع التي تستحق المشاهدة ليس في تونس فقط وإنّما في المغرب العربي كله.

 الموضع والموقع الجغرافي

تقع دقّة في الشمال الغربي للبلاد التونسية في منطقة جبليّة تتابع فيها الأودية والهضاب المتدرّجة، حيث تكون درجات الحرارة أكثر برودة والتربة متنوّعة وخصبة.

شيّدت دقة فوق هضبة يحيط بها من الشرق والشمال الشرقي جرف شديد الانحدار. وتشرف من خلال منحدر حاد على سهول وادي خالد. لقد توفّرت لثقة Thugga كل المستلزمات الضروريّة لنشأة تجمع سكني قديم : موقع محصّن ذو وضعيّة دفاعيّة جيّدة، مواد بناء متوفّرة وقريبة، عيون جارية وأرضا خصبة للفلاحة.

 كيفيّة الوصول إلى دقّة انطلاقا من تونس

تقع دقة في الشمال الغربي على بعد 106 كم من تونس. يتمّ الوصول إليها عبر الطريق الوطنيّة رقم 5 (الرابطة بين تونس ومدينة الكاف) وعما قريب عبر الطريق السيارة تونس وادي الزرقة إلى حدود مدينة تبرسق.

تبدو الآثار ظاهرة للعيان من مسافات بعيدة من خلال سواري واجهة معبد بعل حانون ساتورنوس Baal-Hanon Saturne الشامخة والذي حدّد طبوغرافية الموقع بعد أشغال الترميم التي تمت في بداية القرن الفارط حيث يشرف بارتفاعه على سهول وادي خالد.

 اكتشاف الموقع

زار توماس داكروس Thomas d’Acros موقع دقة سنة 1631 وهو من مقاطعة البروفانس ومن أصل إسباني أسّره القراصنة واشتراه أحد تجار تونس الأثرياء قبل أن يفتدى ويعتنق الإسلام. كانت دقة Dougga في هذه الفترة مخفية وسط ضيعة فلاحيّة صغيرة فأصبحت منذ بداية القرن 18 م من أهمّ المواقع الأثريّة التي يرتادها الرحّالة الأوروبيّون في البلاد التونسيّة. فانطلقت الأبحاث بنسق حثيث منذ السنوات الأولى للحماية الفرنسيّة بتونس سنة 1881. وكانت الحصيلة حفر ثلث الموقع تقريبا لكن هذه الحفريات مكنت من إبراز عدد كبير من المعالم المتنوّعة والتي تعود إلى عدّة فترات تاريخيّة. ونجد من بينها معالم فريدة من نوعها جعلت من دقة موقعا خارقا للعادة.

 طاقة استيعاب الموقع

قدّر عدد سكّان هذه المدينة في أوج امتدادها بحوالي 5000 ساكن (10000 لو أحصينا السكان المقيمين حولها) يتوزّعون على مساحة جمليّة تقدّر بـ 70 هكتار تقريبا.

ويمكن لدقّة Dougga أن تفتخر بإكتسابها مجموعة نقائشيّة تقدّر بـ 2000 نقيشة لوبيّة، بونيّة محدثة، إغريقيّة ولاتينيّة ذات قيمة كبيرة. ولقد حقّقت الإضافة سواء على مستوى فكّ رموز الكتابة اللوبيّة أو لمعرفة التنظيم الاجتماعي والبلدي للنوميديّين. كما تمكّن من فهم بعض المظاهر التي كانت غامضة في تاريخ السياسة الإستعماريّة لروما وكذلك التنظيم البلدي داخل مقاطعاتها.

إضافة إلى ذلك هناك مجموعة هامّة من الفسيفساء الرومانيّة. نجد من بينها أكثر من عشرين لوحة وهي إمّا معروضة في قاعات المتحف الوطني بباردو أو محفوظة داخل المخازن. وتمثّل هذه الفسيفساء ملامح الحياة اليومية (تنشيط، آلهة، أرباب، جلسات خمريّة …) كما نجد مشاهد ميثولوجيّة. تمكّن مختلف هذه العروض من تصور ومعرفة عقليّة السكّان الدقيين Thargenses .

 إحياء الموقع : مشروع رئاسي : المنتزه الأثري الوطني

يمثّل يوم 21 جويلية 1991 بالنسبة لدقّة تاريخا هامّا، حيث تم في هذا اليوم وعلى إثر انعقاد مجلس وزاري ، اتخاذ قرار تهيئة موقع دقّة وتحويله إلى منتزه أثري وطني.

ويرمي القرار إلى تحقيق ثلاث أهداف :

  • ضمان الحماية والصيانة الدائمة لهذا الموقع الرمز ولمحيطه الطبيعي.
  • إحياء وتطوير الأبحاث العلميّة الخاصّة بالموقع.
  • تهيئة موقع دقة وإحيائها لتكون مرحلة هامّة في السياحة الثقافيّة والتنمية المستديمة.

 

 الموقع ومحيطه

 دقّة ومحيطها : انفصال دام طويلا

لا يرقى تاريخ علاقة موقع دقّة مع محيطها إلى فترة قريبة وإنّما يرجع إلى ما يزيد عن القرن. بدأت هذه العلاقة منذ أن تركّزت فوق هذه الآثار قرية ريفيّة صغيرة. ومنذ إذ أثارت اهتمام المستكشفين والباحثين الأوروبيين وأصبحت مجالا للبحث والدراسة.

يمكن اعتبار أن اللحظة التي رسخت مصير دقّة كانت قبل انتصاب الحماية الفرنسية بتونس سنة 1881 بقليل بعدما مهّد لها المستكشفون الأوائل منذ منتصف القرن 17. وقع التعبير عنها على أرض الواقع بالحفريّات الأولى فنشأت بذلك علاقة تتّسم بالتصادم أكثر من أن تكون انسجاما بين الموقع الأثري ومحيطه البشري.

يمكن تلخيص أسباب هذه العلاقة المتوتّرة التي انتهت بعد مدّة إلى الفصل بين الموقع الأثري والسكّان المحليين كما يلي :

أوّلا : إنكار السكّان المحليين إنتمائهم لهذه الآثار ذلك أنّهم لا يعترفون بإنتسابهم لتاريخ الموقع أو تاريخ أجدادهم بل على العكس من ذلك فإنّهم يعتبرون أنّهم ينحدرون من شعب آخر ومن حضارة مغايرة أفلت منذ زمن بعيد ولم يعد لهم ما يربطهم بها.

ثانيا : كلّ الوسائل ممكنة في سبيل تطوير البحوث والإستكشاف على حساب المجال المخصّص للبناء وللفلاحة والذي يوفّر للمتساكنين أحد مصادر عيشهم

أخيرا : كان من النتائج السلبيّة لهذا الإنتزاع التدريجي والقاسي إنتقال دقّة من تجمّع سكني فلاحي إلى موقع أثري ولم يتبعه إحداث أنشطة جديدة تمكّن السكّان من موارد عيش تعوّضهم الفشل في الحفاظ على نسبة كبيرة من أراضيهم. بل بالعكس فإنّ هذا الإنتزاعتزامن مع تشريع قاس يقرّ حقّ الرقابة ويحدّ من حق الإنتفاع في المناطق التي بقيت ملكيّتها للأفراد. لقد تمّ ذلك كلّه من دون اهتمام أو استفسار أو تعويض للسكّان بل أكثر من ذلك فإنّ هؤلاء السكّان لم يتدخّلوا إطلاقا.

فمنذ عشرات السنين وإلى فترة قريبة جدّا وجد تعايش بين موقع أثري جامد وسكّان محليّون لا يعيرونه أي اهتمام إلاّ في صورة توفّر إمكانيّة للشغل الموسمي.

ومثلما كان سهلا الكشف عنه على ضوء المعطيات اللاّحقة فإنّه لم يحصل اندماجللموقع في محيطه وكانت فرص العمل المباشرة أو الغير مباشرة قليلة جدّا مقارنة بالإمكانيّات المتوفّرة.

بقدر ما كانت الوضعيّة مؤسفة كانت القيمة الجوهريّة للآثار وحالتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة توفّر ظروف ملائمة تمكّن من تجسيم ومراجعة المقاربة التي تعتبر التراث الثقافي عامّة والتراث الأثري بصفة خاصّة ركيزة للتنمية المستديمة خاصّة في المناطق النائية.

مخولة Mokhôla آلهة وثنيّة من الفترة الرومانيّة أصبحت إمرأة صالحة لسكّان دقّة Le Dogguis .

تعريف للّة مخولة Lella Mokhôla

يعتبر السكّان المحليّون أن مخولة Mokhôla هي امرأة عذراء ضخمة الجثّة وقويّة لها بشرة بيضاء ناصعة وشعر أسود. حينما جاءت من المغرب مع أخيها وعدد من المرافقين كانت ترتدي ثيابا لونها أخضر وتغطّي رأسها برداء أحمر. وحسب السكّان المحليّون فقد توقفت لتأخذ نصيبا من الراحة قرب باب الروميّة (قوس Sévère Alexandre في الطرف الغربي من القرية) وعندما أرادت العودة منعها السكّان من ذلك. وبعد استشارة الإله قرّرت البقاء بدقة في قناة مياه الحنايا الرومانيّة بعين الحمّام (وهي نقطة وصول الحنايا في حوض عين الحمّام قرب قوس Sévère Alexandre تقريبا) والتي تغادرها كل سنة باتّجاه مكة.

كراماتها

كراماتها كثيرة فهي مخوّلة :

– لنزول المطر

– شفاء المرضى

– إيجاد عريس أو عروس للعازبين

  • مساعدة التلاميذ والطلبة في دراستهم حتّى يتسنّى لهم النجاح
  • إرجاع المهاجر إن أمكن ذلك
  • تمكين الحيوانات والنساء من الإنجاب وتخصيب الأرض كذلك
  • الكشف عن المساجين أو المجندين المبعدين عن بلدهم

تطبيق الشعائر

تطبيق الشعائر الجماعيّة

“الزردة” مناسبة سنويّة

تنشط صهايج عين الحمام ومنطقة قوس سيفار ألكسندرAlexandre Sévère مرّة في السنة خلال فصل الربيع بحشود مختلطة. إنّما زردة للّة مخولة تتمثّل في احتفال شعبي ذو صبغة دينيّة مقدّسة ترسخ في سلوك سكّان دقّة والمنطقة المحيطة بها.

تبدأ الإستعدادات لهذا الإحتفال الذي ينتظره المريدون بلهفة كبيرة بجمع الهبات الماليّة لشراء الحيوان الذي سيذبح وهو بقرة ذات لون أسود ذلك أنّ الإعتقاد السائد يقول بأنّ الأضحية الأولى التي قدمت لهذه الوليّة الصالحة كانت كذلك بقرة سوداء اللّون ومنذ إذ أصبحت عرفا جار. وإذا ما تجاوز المبلغ المجموع سعر بقرة واحدة فإنّه بالإمكان إشتراء بقرتين أو ثلاث ويمكن إدخار قليلا من المال للسنة المقبلة إذا ما سمح المبلغ بذلك.

يتراوح مبلغ البقرة الواحدة بين 700 و1000 دينار (500 – 700 أورو) وهو يتغيّر من سنة إلى أخرى.

يتمّ نقل البقرة إلى الصهاريج عشيّة الزردة حيث يعتقد المريدون أن للّة مخولة تخرج من سباتها أثناء الليل وتسكب الزيت على رأس الدابّة التي تذبح في الغد.

يكون الاحتفال دائما يوم الجمعة حيث يجتمع كل المريدين بما فيهم الذين يقطنون بعيدا، فنجد الرجال والنساء والأطفال والتلاميذ والطلبة وعازفوا المزمار والطبالون وخاصّة الباعة المتجوّلون هؤلاء الذين تمثّل لهم الزردة يوما لعمل تجارة رابحة فيأتون إلى الموقع باكرا ليعرضوا سلعهم التي تتكوّن من لعب الأطفال والحلوى والكسكروت والمشروبات الغازيّة والأدباش والشموع والحناء والبخور والصمغ.

بعد ذبح البقرة يقع تقسيم اللحم إلى قطع عديدة توزّع على المانحين بالتساوي فتتنافس النسوة ويكون الشرف التي تجهّز أحسن طبق من الكسكسي.

تكون الأطباق جاهزة ومعروضة قرب الحرم عند الساعة الواحدة بعد الظهر وتوزّع على الفقراء والجمع الحاضر فالكلّ يتذوّق هذه “البركة والسماط”. حيث تتشكّل مجموعات تتكوّن من خمسة أشخاص تلتف حول طبق كبير من الكسكسي وضعت فوقه قطع من اللحم بعدد الجالسين. كان ذلك أثناء إقامة السكّان في الموقع وأصبح حاليّا يقتصر على توزيع قطع من اللحم على الفقراء. ولم يعد يأكل الكسكسي جماعيّا وإنّما يتم بصفة فرديّة كل في بيته ومع عائلته.

يستغلّ المريدون هذه المناسبة لطلب الأماني لدى للّة مخولة كي تسهل وتبارك انجازاتهم فيأتون بالشمع والحناء والبخور كما تقوم الصبايا بكتابة اسم الحبيب أو الخطيب على جدار الحرم. وتقوم النساء برسم سمكة والخمس أصابع ليد المسماة “يد فاطمة” على الحائط باستعمال الحناء أو دم الأضحية وذلك لدرء العين اللامة ووقاية وتطيرا.

في فترة الجفاف :

لإقامة صلاة الاستسقاء خلال فترة الجفاف يذهب سكّان دقّة إلى مقام للّة مخولة (ذلك أنّ الأولياء مقربون من الله) محملين بأعلام الوليّة الصالحة وتقام الصلاة في شكل ابتهالات معادة وتضرب الطبول وعادة ما ينزل المطر.

تلك هي معتقدات سكّان دقّة في الوليّة الصالحة. وتتواصل عبادتهم بالرغم من الانفصال الذي تمّ بين الموقع الأثري والسكّان المحليّون الذين أصبحوا منذ عشرات السنين يقطنون بدقّة الجديدة التي تقع على بعد بضع كيلومترات نحو الجنوب.

وتقام مختلف هذه المظاهر بطريقة جماعيّة أو عائليّة أو بصفة فرديّة.

موقع الشعائر

يوجد هذا المكان في نقطة وصول الحنايا الرومانيّة لعين الحمّام إلى الصهاريج التي تحمل نفس الإسم حيث يعتقد أن قبرها يوجد في قناة الحنايا. ويهتمّ مسؤول برتبة وكيل بتنظيم الشعائر.

تتمثّل مهمّته في :

  • السهر على توفير الإضاءة بواسطة الشموع والقناديل الزيتيّة
  • يعطّر المكان بمواد لزجة لها رائحة طيّبة (البخور وصمغ وجاوة : بخور جاوي وشق وداد)
  • تبييض حائط الصهريج بالكلس
  • جمع الهبات الماليّة من المريدين لصيانة المكان وإذا كان المبلغ هامّا فإنّه يتمّ صرفه في شراء البقرة التي تذبح أثناء الإحتفال الكبير.

تقام هذه الشعائر على طول السنة وتتمثّل في زيارات فرديّة أو عائليّة ويختلف مغزى الزيارة من مريد إلى آخر لكنّها تتمثّل عموما في :

الختان :

تأتي الأم بإبنها إلى مقام للّة مخولة يوم الختان أو قبله بيوم إذا كان مقّر سكناهم بعيدا.

تقوم بذبح ديك أمام الحرم وتحمل معها اللحم إلى العائلة لتأكله وتترك العظام والسيقان والرأس داخل الحرم بعنوان البركة. وهكذا فإنّ هذا السلوك يعاد دائما كما تحمل الشموع والحناء والبخور.

الزواج :

تسبق أماني الزواج اختيار شريك الحياة بالنسبة للعازبين ويرجع هؤلاء عندما يرفع المطلب للزواج بمعنى أنّهم يشكرون للّة مخولة. وإذا ما تمّت الأمور على أحسن ما يرام إلى حين الزواج فإنّه يقع زيارتها للتبرّك وطلب الحماية وإنجاح هذا الزواج.

تذهب العروس إلى المقام عشيّة أوّل يوم من الأسبوع الذي يسبق الزفاف وهي مغطّاة براية “سنجق” المرأة الصالحة. وتأتي مصحوبة بصديقاتها وعائلتها الذين يرافقونها بالأناشيد والحلويّات.

الخصوبة والشفاء من المرض :

في حالة العقم يقوم الرجال والنساء بصلوات لدى الوليّة الصالحة لكي يشفوا وينجبون أطفالا. وأحيانا يصلّون من أجل إنجاب الأولاد والعكس بالعكس. وكذلك الأمر في حالة المرض حيث يتقدّم أهالي دقّة برغباتهم المتنوّعة لدى هذه الوليّة ويتعهّدون بذبح ديك يقدّم كأضحية في مقابل ذلك. وغالبا ما يفي الأهالي بوعدهم بداعي الخوف وأحيانا يقدّمون بداعي السّخاء ديكين.

الخوف من غضب للّة مخولة :

يعتقد أهالي دقّة أن غضبها شديد إذ يمكن لها “قتل السارق الذي يتحدّى تحذيراتها والمرأة التي تشتمها. وتفقد بصر ابن آوى إن شرب من زيت القنديل”.

شعائر ذات أصول وثنيّة :

ورد إسم Moccolitano في نقيشة تخلّد ذكرى بناء أهالي مدينة دقّة حنايا (حنايا عين الحمّام حاليّا) على نفقتهم تكريما للإمبراطور الروماني كومودوس Commode (180-193م). وإستنادا إلى الإسم القديم للعين الوارد في هذه النقيشة تمّت مقاربته مع تسمية مخولة الحديثة ولقد تم تحديد تاريخ بناء هذه الحنايا بين 184 م و187 م في عهد البروقنصل الإفريقي ماركوس أنطونيوس زينو

« [pro salute Imp (eratoris Caesaris M (arci) Aurelii Commodi Antonini

Aug (usti)] Pii, Sarmatici, Ge] rmanici max [i] mi, Britanici, p(atris)

P (atriae)civitas Aurelia Thugga

[a] quam con [duxite e fonte [M] occol [i] tano, a milliario septimo, [sua]

pecunia induxi [t] , lacum fecit, […] M (arcus) Antonius Zeno

proc [o (n) s (ul) Africae dedi (avit)] » .

وفي ما يلي ترجمة النص اللاتيني للنقيشة :

“لسلامة الإمبراطور قيصر ماركوس أوزال كومودوس أنطونيوس الأكبر الورع قاهر السرمط وقاهر سكّان مقاطعة البروتون أب الإمبراطوريّة قامت مدينة دقّة بربط الحنايا انطلاقا من عين Moccolitana وقامت ببناء هذا الجزء على نفقتها انطلاقا من الميل السابع وشيّدت معبدا للمياه (مع زخرفته) وقدّم البروقنصل ماركوس أنطونيوس زينو الإهداء”.

وانطلاقا من هذه النقيشة يمكن أن نعتبر هذه الإحتفالات المرتبطة بمخولة موروثا وثنيّا. إذ أنّ مصطلح مخولة لا يعني شيئا في اللّغة العربيّة وهو تعريب للكلمة اللاّتينيّة Moccolitana .

ومن الملاحظ أنّ التبرّك بالنساء الصالحات ظاهرة منتشرة بالبلاد التونسيّة ففي مدينة تونس مثلا نجد زوايا لنساء صالحات مثل للّة المنوبيّة أو السيدة المنوبيّة وللّة عربيّة وللّة صالحة.

إلاّ أن الإختلاف مع مخولة يكمن في الجذور الوثنيّة لهذه الشعيرة وفي هذا الإطار يقول المؤرّخ التونسي عز الدين باش شاوش “سكنت الرومنة الإفريقيّة في طيّات الذاكرة الشعبيّة ولتزال تتجلّى أحيانا”.

المعالم النوميدية

تتوزّع معالم الحي النوميدي التي وقع الكشف عنها إلى حدّ الآن بدقة على الفضاء الممتد من شمال إلى جنوب الموقع، أي على نفس مساحة المدينة خلال الفترة الرومانية تقريبا.

 المعالم الدينية:

 معبد بعل ساتورن

تم القيام بأسبار في الجزء التحت أرضي بساحة معبد ساتورن (رقم1 بالمثال) في الشمال الشرقي للموقع, أثبتت وجود بقايا معبد قديم مخصّص لعبادة بعل حمّون, كبير آلهة إفريقيا قبل الحضور الروماني، والذي أصبح ساتورنوس في العهد الروماني. وقد تم العثور داخل الخنادق (favissae) على نصب نذريّة تحمل نقائش كتبت بالبونيّة المحدثة وبالإغريقيّة كما تم اكتشاف لقى نذريّة ترجع إلى منتصف القرن الثاني قبل الميلاد. ويتكوّن هذا الفضاء المخصّص للعبادة من فضاء مكشوف حيث كانت تقدّم القرابين وتوضع النصب النذرية التي تخلّد الذكرى. وقد تم ردم هذا المعبد القديم بمترين من التراب في عهد الإمبراطور سبتيميوس سيفيروس (193-211 ميلادي).

 معبد ماسينسان

شيّد هذا المعبد (رقم 14) سنة 139 ق.م. لذكرى الملك النوميدي ماسينيسا (قبل 148 ق.م)، في محيط الساحة العمومية الرومانية غربي معبد الكابتول.

وقد تم البناء بعناية فائقة باستعمال حجارة مربّعة الشكل ونجد به قاعدة ناتئة. للمعبد شكل مستطيل مقاييسه 14,65 م على 6,30م وهو ذو تخطيط مشابه للمعبد النوميدي بسيميتوس (Simithus ) الذي شيّد في فترة حكم ماسيبسا ( Micipsa).

لم يتسنّى التعرّف على هذا المعبد إلاّ من خلال النقيشة المزدوجة البونية واللوبية المكتشفة سنة 1904 في المنطقة الجنوبية الغربية للفوروم وهي محفوظة الآن بالمتحف الوطني بباردو. وتؤرخ هذه النقيشة بالسنة العاشرة لحكم ماسيبسا (139 ق.م) وهي تحيي ذكرى بناء أعيان تقه Thugga مقدس (معبد) للمتوفّي ماسينسان.

ويعتبر اكتشافه في هذا المكان شاهدا أثريا على أنّ حيّ الفوروم كان الساحة العموميّة Agora للمدينة خلال الفترة الملكيّة ولم ينتظر قدوم الرّومان لتعميره بما أنّه كان أغوراAgora المدينة خلال الفترة الملكية.

 المعالم الجنائزية

توجد المعالم الجنائزية الراجعة للفترة النوميدية بالأطراف الشمالية والجنوبية للموقع.

المقبرة الجلمودية (رقم 41)

توجد هذه المقبرة بالشمال الغربي للمدينة و تتكوّن من مدافن جلمودية ومن قبور أبراج وبازينة Bazina.

القبور الجلمودية

هذا المعلم الجنائزي عبارة عن صندوق مفتوح من إحدى جهاته الجانبية ويتكون من 3 بلاطات مسقوفة ببلاطة عادة ما تكون ضخمة ومثبّتة في الأرض. وهي في غالب الأحيان مدافن جماعية، حيث تسمح الجهة المفتوحة بإعادة استعماله مرّات عديدة إذ يغلق هذا الجانب بواسطة حائط مبنيّ من الحجارة لتسهل إزالته عند الحاجة.

إلى جانب الهياكل العظيمة تم اكتشاف عديد الأواني من الفخّار الريفي قد يستعملها المتوفي في العالم الآخر.

لم يتم تحديد تاريخ هذه القبور بدقّة، إلاّ أننا نعرف أنها كانت مستعملة خلال الألفيتين الثانية والأولى ق.م وتواصل ذلك خلال القرن الأول ميلادي. ويمكن اعتبارها من أقدم المخلّفات الأثرية المعروفة إلى حدّ الآن بدقة.

وقد أثبتت الحفريّات الجديدة أنّ هذه المدافن تحتوي على قبور أبراج من نوع بازينة Bazina.

 القبور على شكل أبراج (رقم 42, السور النوميدي سابقا)

من خلال الأسبار والأمثلة المفصّلة التي تمّت أثناء الدراسة ثبت أنّ ما كان يعرف ببرجي السور النوميدي ليست في واقع الأمر سوى قبرين على شكل أبراج مستطيلة.

قبر نوميدي (رقم 53)

يقع هذا المعلم الغامض جنوب المدينة في الزاوية الشرقيّة للمعبد الغير معرّف II (رقم 52). وتم استخلاص صبغته الجنائزية اعتمادا على موقعه الطوبوغرافي كان هذا المعلم ذو شكل مخروطي مقطوع في قمّته مردوما.

وقد شيّد بالحجارة من دون ملاط على شكل بروز نصف دائري، ويتكون سقفه من قبّة تتوسّطها فتحة تسدّها بلاطة حجرية.

الضريح اللوبي البوني (رقم 54)

يقع هذا الضريح الراجع إلى القرنين 3 و2 ق.م بالجنوب الشرقي للمدينة ويسمى أيضا بضريح عتبانAtaban   ويرجّح أن يكون نصبا تذكاريّا أقيم لذكرى الملك ماسينيسان Massinissa.

ويعتبر بعلوّه البالغ 21م أحد الأمثلة النادرة المتبقيّة ممّا اتفق المختصّون على تسميته “بالمعمار الملكي النوميدي”.

ويتكوّن المعلم من 3 طوابق ترتكز على قاعدة من خمس درجات:

  • طابق سفلي أركانه محلاّت بأعمدة، حيث توجد الغرفة الجنائزية و يتمّ الدخول إليها عبر نافذة تقع بالجهة الشمالية وقد كانت مغلقة ببلاطة حجرية لم تعد موجودة حاليّا. نجد بكلّ من الجهات الثلاث المتبقّية نافذة زخرفيّة.
  • طابق أوسط مستند إلى ثلاث درجات مؤلف من ثلاث قواعد من الحجارة الكبيرة , ومن عضادة أفقيّة وطوق ( Gorge Egyptienne) وتتخلّله أعمدة أيّونيّة مخدّدة كما نجد نوافذ مغلقة ببلاطات في الواجهات الشماليّة والشرقيّة.
  • طابق علوي يستند إلى درجات قطعت في زواياها بقواعد تزيّنها صور فرسان. كما نقشت على كل واجهة من واجهاته زخرفة غائرة تتمثّل في شخصين يمتطيان عربة بدولابين تجرّها أربعة خيول.
  • تأخذ قمّة المعلم شكلا مخروطيّا تحيط بأركانه أربع تماثيل لنساء مجنّحات ويعلوه تمثال أسد جاثم على قوائمه الخلفيّة. هدم توماس ريد قنصل انقلترا بتونس المعلم كليّا سنة 1842 للاستيلاء على النقيشة الشهيرة التي تحمل نصّا مزدوجا باللغتين اللوبية والبونية التي كانت موجودة على يسار نافذة الطابق الأسفل، وهي محفوظة حاليّا بالمتحف البريطاني في لندن. وقد أعيدت للضريح هيئته الأصلية بعد ترميمات في ما بين 1908-1910.
  • قام عدد من المستكشفين بوضع رسوم لكلّ واجهات الضريح قبل ترميمه وأوّلهم بروس الذي رسم سنة 1765 الواجهتين الشماليّة والشرقيّة من الطابقين السفلي والأوسط. ثمّ يأتي من بعده الكونت بورجيا Borgia سنة 1815 ليقدّم لنا تخطيط الواجهتين الجنوبيّة والغربيّة لتلك الطوابق. كما أعاد هنري سلادان Henri Saladin سنة 1885 رسم الواجهة الجنوبية للمعلم وطوابقه الثلاث مع التركيز على عناصر الزخرفة.

 معالم الفترة الرومانية المتأخرة

الحصن البيزنطي:

يضمّ هذا الحصن الذي يقع وسط الموقع، ساحة الفوروم ومعبد الكابتول. وقد أمر ببناءه القائد سلمون في الربع الثاني من القرن السادس ميلادي. تخطيطه مستطيل الشكل مع وجود برج ناتئ على الواجهة الشمالية وبرج صغير بالواجهة الجنوبية، وله مدخل من جهته الجنوبية ومدخل خفيّ من الشمال. وقد تمّ تشييده باستخدام مواد أعيد استعمالها جلبت من المباني المجاورة أو البعيدة وكان داخله مردوما إلى مستوى الأبواب.

يبدو أنّ هذا الحصن كان مخصّصا كملجأ للسكان المدنيين أكثر من كونه معسكرا للجيوش المكلّفة بحراسة وضمان أمن المنطقة.

تظهر بقايا سور يعود للفترة المتأخّرة مبعثرة في أرجاء الموقع على مساحات شاسعة، وتضمّ الأجزاء الشمالية والشرقية للموقع انطلاقا من الركن الشمالي الشرقي للحصن في اتجاه المقبرة النوميدية والمنطقة الواقعة شرق المسرح إلى حدود الحيّ السكني السفلي.

المدفن (رقم 4)

يقع هذا المدفن في الشمال الشرقي للمدينة, جنوب معبد بعل حمون – ساتورن، وله تخطيط مستطيل, وهو شبه مغمور. هو عبارة عن مدفن عائلي, شهد على التوالي نوعين من الطقوس الجنائزية: الترميد والدفن. ويمكن النزول إليه عبر سلّم يتكوّن من سبع درجات تؤدي إلى باب يفضي إلى داخل قاعة مربّعة الشكل تقريبا، استعملت كغرفة جنائزية. نقشت في الجدار الخلفي والجدران الجانبيّة للغرفة مجموعة كوى مخصّصة لإيواء أرن الترميد. وتدلّ التوابيت الموجودة على تغيّر الطقوس الجنائزية وهو ما يعني المرور من الترميد إلى الدفن خلال القرن الرابع ميلادي نتيجة لانتشار المسيحيّة.

وقد تم اكتشاف لوحتي فسيفساء لطفلين بهذا المدفن, تحمل إحداهما اسم الطفل فيتاليوس كريسبينوس والأخرى كوينتوس بابيريوس فورتناتيانوس إيزبيوس، وهما معروضتان حاليا بالمتحف الوطني بباردو.

 كنيسة فيكتوريا (رقم )

تقع كنيسة الشهداء المسمّاة بكنيسة فيكتوريا على بضع أمتار شرقي المدفن وتعتبر المعلم المسيحي الوحيد المكتشف إلى حدّ الآن بدقة.

ويرجع تاريخها إلى نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس, وقد أنشأتها الطائفة المسيحية في مقبرة وثنية وللكنيسة تخطيط غير منتظم وتتألّف من سقيفة صغيرة ومن ثلاث بلاطات مقاساتها غير متساوية. على طول البلاطة الوسطى رفعت مصطبة مستطيلة الشكل مخصّصة للكهنة ونجد في مؤخّرتها مقعد نصف دائري.

ويتم المرور من غرفتي المقدسات إلى ديماس كنسي موجود بالبلاطتين الجانبيّتين عبر سلّمين لكلّ منهما أربعة درجات.

وقد تم العثور على مجموعة توابيت وضعت بعضها فوق بعض داخل الديماس. ويحمل أحدها نصّ نقيشة يذكر اسم الراهبة فيكتوريا.

Ali DABBAGHI
Ali DABBAGHI

Ingénieur Général spécialiste des systèmes d'information et de communication, webmaster de site web inp2020 مهندس عام متخصص في نظم المعلومات والاتصالات General Engineer specializing in information and communication systems, inp2020 website webmaster

You must be logged in to post a comment

RSS
Follow by Email