عمل للباحثة بالمعهد الوطني للتراث منية العديلي
الموقع الأثري هنشير الجال Uzali Sar معتمديه طبربة ولاية منوبة
الموقع الجغرافي
يوجد الموقع الأثري هنشير الجال بجبل الأنصارين التابع لمعتمدية طبربة من ولاية منوبة، وينتمي جغرافيًا إلى منطقة التلّ الشمالي و تحديدًا إلى القسم الواقع على الحوض الجنوبي لوادي الطين. وهو يبعد عن مدينة تونس بنحو60 كلم و يرتبط بها قديما عبر الطريق المؤدية إلى قرطاج المعروفة منذ الفترة الرومانية. و يشرف الموقع على منطقة فلاحية هامة تمتدّ في شكل حزام زراعي حول رأس وادي الطين. و قد كان هذا الموقع مرتبطا كذلك ببقية التجمّعات السكنية التي نشأت حول وادي الطين منذ فترة فجر التاريخ قبل أن يتحوّل أغلبها إلى مدن هامة خلال العهد الروماني.
تسمية الموقع الأثري
يعرف الموقع اليوم بهنشير الجال و يسمّى أيضًا الأنصارين و هي تسمية يبدو انها مرتبطة ببعض البطون اليمانية التي استقرّت بالناحية منذ القرن الثاني للهجرة/ الثمن للميلاد. و قد كان يحمل خلال الفترة الرومانية تسمية VZALl SAR التي تحمل في بنيتها اللفظية السابقة (V) التي تعني في البربرية ” بني فلان”، في حين يرتبط القسم اللاحق من الاسم بمعنى الارتفاع ( أبناء الموقع العالي). أمّا الصفة (SAR) فتطلق على أغلب المواقع التابعة لهذا الجزء من التلّ و تعني ” السرا ” (الجبل الصخري).
هنشير الجال :لمحة تاريخية
الموقع الأثري هنشير الجال معروف بفضل نقيشة مؤرّخة بالقرن الثاني للميلاد. لكن المسح الأثري، قد بيّن أن الاستقرار البشري به يعود إلى فترات أقدم. إذ من الواضح أنّ خصائصه الطبوغرافية – الجبلية ولاسيما وفرة المياه المتأتية من عيني الجال و القرفي، قد شجّعت على الاستيطان به منذ فترة فجر التاريخ. و هذا ما تشهد به المآثر و الأطلال المتعلّقة بطقوس الدفن التي تعود إلى هذه الحقبة مثل الحوانت و البزائن و الجثاويالجلمودية. كما تشهد به كذلك طوبونوميا الموقع.
الامتداد المجالي للموقع الأثري
يحتلّ الموقع منبسط يمتدّ فوق جرف صخري يبلغ ارتفاعه 450م، تتوزّع عليه مختلف المآثر المعمارية للمدينة الرومانية التي نشأت به. و تتوزّع هذه المعالم وفق مراحل الاستقرار البشري بالموقع، حيث تحتلّ الحوانات و هي عبارة عن غرف جنائزية مكعّبة الشكل تعود إلى فترة فجر التاريخ، الطرف الشمالي للموقع و يجاورها كذلك بنفس الناحية ضريح مؤرّخ بالفترة اللوبية- البونية. أمّا الطرف الجنوبي، فتتوزّع عليه عدة قبور جلمودية من فئة الدلمن (Dolmen) و تعود إلى فترة فجر التاريخ. و تشكّل هذه المعالم شبه حزام يحيط بالمدينة الرومانية التي تتوسّط الساحة العامة (Forum) و تنتشر في محيطها خزانات المياه و من بينها خزان كبير. كما يتوفّر الموقع الذي لازالت معالمه مطمورة على عدّة نقائش سُطرت باللغة اللاتينية و كذلك على بقايا جدران بارزة على حافة الجرف الصخري. و في الناحية الغربية للموقع، يوجد درج منقور في الصخر يؤدي إلى أسفل الجرف حيث توجد بقايا حمامات رومانية و عين ماء.
البحث الأثري والوصف المعماري لمكونات الموقع
لم تثن بعض العراقيل عددا من الباحثين الآثاريين وخاصة باحثي المعهد الوطني للتراث وإطاراته منذ سنوات عن القيام بعديد الزيارات الميدانية الدوريّة إلى الموقع ودراسة بعض مكوناته وخاصة الجنائزية منها حيث نجد دراسة حول الضريح اللوبي- البوني، قامت بها الباحثة ندى فيرشيو ، كما اهتمّ الباحث الفرنسي بيراس بمكوّنات الموقع و قدّم معطيات مهمّة حول طبيعة الاستيطان به وقد تكاثفت وتيرة هذا العمل العلمي منذ سنة 2015، تحت إشراف السيدة منية عديلي الباحثة المشرفة على المواقع والمعالم الأثرية بولاية منوبة، فأثمرت جهودها أبحاثا وأعمالا ميدانية أفضت إلى ضبط حدود كامل الموقع الذي ناهزت مساحته 60 هكتارا ـ خلافا لما راج بين المتساكنين أن مساحته تبلغ 40 هكتارا ـ وجرد جلّ معالمه البارزة للعيان وتوثيقها بمختلف أصنافها وأشكالها وأحجامها مع وصف تفاوت حالتها الإنشائية وسلامة مكوناتها الهندسية والمعمارية واختلاف الحقبات التاريخية التي تعود إليها، وقد ثبت أنّ أقدم الشواهد الدالة على الحضور البشري بالموقع تعود كما ذكرنا إلى ما قبل الفترة الرومانية لعلّ أبرزها القبور الجلمودية)الدلمان أو الدلمن ((Dolmens والقبور المنقورة في الصخر (حوانيت Haounet) و الأضرحة اللوبية (Mausolées) و البازيناس(Bazinas) (أي الحجارة المصففة) .إضافة إلى عدد من الآثار الرومانية نذكر منها حمّامات ومنشآت مائية هامة و أسس وأنقاض جدران منازل ومبان خاصة أو عموميّة.
Share this content:
Leave a Reply